صيام الفريضة

 

صيام الفريضة: هو ذلك الصيام الذي يجب على كل مسلم بالغ عاقل ذكر أو أنثى ( المرأة لابد أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس). وقد قسّم الفقهاء الصيام الواجب الى خمسة أنواع:

 

 (1)- صوم شهر رمضان

قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:18].

وقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان” اخرجه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: ” تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان” قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه. فلما ولّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ” … أخرجه البخاري والدارقطني وغيرهما.

وعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دويّ صوته ولا نفقهُ ما يقول، حتى دنا ؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خمس صلوات في اليوم والليلة” فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: ” لا إلا أن تطوّع”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” وصيام رمضان ” قال: هل عليّ غيره؟ قال: ” لا إلا أن تطوّع “، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: ” لا إلا أن تطوّع “. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أفلح إن صدق ” … اخرجه البخاري ومسلم وابو داود وغيرهم.

والأحديث الصحيحة الدالة على وجوب صيام شهر رمضان كثيرة وقد أجمل ذلك شيخ الإسلام بن تيمية في قوله: ( صيام رمضان فرض في الجملة، وهذا من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف، وقد دلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع ) ….  شرح العمدة.

 

(2)- قضاء أيام رمضان لمن افطر بعذر

قال الله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185].

قال الطبري في تفسير الآية: من كان مريضاً أو على سفر في الشهر فأفطر، فعليه صيام عدة الأيام التي أفطرها، من أيام أخر غير أيام شهر رمضان.

وكذلك الحائض والنفساء يُحرم عليها الصيام حتى تطهر وعليها بعد إنتهاء شهر رمضان قضاء الأيام التي لم تصمها، سألت معاذة العدوية عائشة رضي الله عنها فقالت: ( ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ قلت : لست بحرورية . ولكني أسأل . قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) أخرجه مسلم، – « حرورية : نسبة إلى حروراء وهي قرية بقرب الكوفة كان أول إجماع الخوارج فيها فنسبوا إليها ، وخرجت منهم طائفة توجب على الحائض قضاء الصلاة الفائتة زمن الحيض وهو خلاف الإجماع » -. قال النووي: (( أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة، ولا الصوم في الحال، وأجمعوا على أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وأجمعوا على أنه يجب عليهما قضاء الصوم)).

وعلى ذلك فمن أفطر يوماً من رمضان بعذر كان عليه قضاء هذا اليوم واجباً.

 

(3)- صوم المتمتع والقارن في الحج إذ لم يجد الهدي

أما المتمتع فلقوله تعالى:  فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}  [البقرة:196].

وذهب الجمهور الى أن القارن عليه ما على المتمتع من ذبح الهدي ومن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد أن يعود الى بلده، وجاء عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: ” لم يرخّص في أيام التشريق أن يصوم إلا لمن لم يجد هدياً ” … أخرجه البخاري والدارقطني وغيرهما.

وممن قال بذلك ايضا من المتأخرين الشيخان بن باز وبن عثيمين عليهما رحمة الله، وكذلك الشيخ الشنقيطي.

 

(4)- صيام النذر

صوم النذر هو ما أوجبه الإنسان على نفسه من صوم كأن ينذر أحد صوم يوم أو أكثر لله إن حصل له ما يسره أو رفع الله عنه كرب أو ضُر ألمّ به، فحينئذ يصبح ما نذره على نفسه من صوم حكمه حكم الفرض وإن مات ولم يكن قد أوفى بنذره فلابد لوليه أن يصومه عنه لأن النذر محله الذمة.

قال الله تعالى: { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً }الإنسان7

وفي الحديث الصحيح جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : ( يا رسول الله ! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها ؟ قال ” أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ، أكان يؤدي ذلك عنها ؟ “ قالت : نعم . قال ” فصومي عن أمك “) … أخرجه البخاري ومسلم.

 

(5)- صيام الكفارات

هناك بعض الذنوب التي قد يقع فيها المسلم، أو تقصير في العبادات مما يترتب عليه أحكام الكفارات والتي قد تكون صدقة أو عتق أو صيام أو ذبح ولكل منها حكم خاص له تفاصيل سنكتفي هنا بالإشارة اليها فقط دون الدخول في تفاصيل تلك الأحكام الفقهية، الشاهد إن كان الصوم هو كفارة ذلك الذنب أو هو مايجبر التقصير الذي وقع فإنه حينئذ يصبح فرضاً.

وأمثلة ذلك:

حلق الشعر في الحج: قال الله تعالى { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196]. وغالب اهل العلم على انه مُخير هنا بين الدم والصدقة والصيام وانها ليست على الترتيب والله تعالى أعلم.

قتل الصيد للمحرم: قال تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة:95]، وهو ايضاً على التخيير والله أعلم.

كفارة القتل الخطأ: قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء:92]، وذلك على الترتيب عند الجمهور: فمن لم يجد العتق ولا اتّسع ماله له فيجب عليه صيام شهرين متتابعين في الأيام، لا يتخللّها فطر.

كفارة اليمين : قال تعالى: { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلاْيْمَـٰنَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:89]. عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة، الأول فالأول، فإن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فمتى كان واجداً فعليه أن يكفر بأحدى الثلاث، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام…” .

كفارة الظهار: قال تعالى: { وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة:3، 4]، قال القرطبي: ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة؛ فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكيناً.