معنى الصوم والحكمة منه

 

معنى الصوم
معنى الصوم في اللغة العربية: هو الإمساك عن الشئ المعتاد.
ومعناه في الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من الفجر وحتى غروب الشمس بنية التعبد لله تعالى.
وقد فرض الله عز وجل صيام رمضان على رسوله الكريم في العام الثاني من الهجرة النبوية، وقد صام رمضان تسع مرات.

 

حكم وأسرار الصيام
ما شرع الله سبحانه وتعالى من عبادة ولا من حكم شرعي الا لحكمة نعلمها أحياناً، وتخفى علينا أحياناً أخرى ولكن على المؤمن الحق الامتثال والطاعة لما امر الله تعالى سواء علم الحكمة من الأمر أم جهلها، وقد اجتهد العلماء قديماً وحديثاً لمعرفة الحكمة من فرض صيام شهر رمضان و نلخص ما خلصوا اليه في الأتي:
الصيام يعود الإنسان على الصبر وجهاد النفس وفي ذلك تربية للإرادة، وما الدين إلا صبر على الطاعة، أو صبر عن المعصية، والصيام يتمثل فيه النوعان، قال ابن رجب: ” الصيام من الصبر، والصبر ثلاثة أنواع، وتجتمع الثلاثة في الصوم، فإنّ فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عمَّا حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصُلُ للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، قال الله تعالى: { …. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } الزمر10

الصيام يربي في النفس ويعلمها حقيقة الإخلاص لله عز وجل، قال ابن القيم: ( والصيام لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإنّ الصائم لا يفعل شيئاً، وإنّما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سرُّ بين العبد وربه، لا يطَّلعُ عليه سواه، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه تَرَك طعامه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصوم )، وقال ابن بطال: ( فالصيام وجميع الأعمال لله، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يُشْرِكُ فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيثيبه عليه على قدر خلوصه لوجهه، جاز أن يضيفه تعالى إلى نفسه )، لذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي: ( كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلاَّ الصِّيام فإنه لي وأنا أَجْزِي بِه) متفق عليه من رواية أبو هريرة رضي الله عنه.

الصيام يحفظ الجوارح عن الوقوع في الحرام، يقول ابن القيم: ( من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم ؛ فإن تكلم لم يتكلم بما يُجرِّح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعاً صالحاً).

في الصيام تضييق لمجاري الشيطان، يقول ابن رجب: ( إنّ الصيام يضيق مجاري الدم، التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم ؛ فإنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر ثورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصوم وجاءً ، لقطعه عن شهوة النكاح )، قال : “الصيام جنة و حصن حصين من النار” رواه أبو هريرة و حسنه الالباني.

الصيام يُعلم النفس مراقبة الله عز وجل والخوف منه، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: ” الصيام موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله، وهذه المراقبة تكسب الإنسان الحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله والاستغراق في تعظيمه وتقديسه ما يجلب الخوف منه عز وجل، إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي، إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة إلى الله سبحانه كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } الأعراف201

الصيام ينمي عند المسلم خُلق الكرم والعطف على الفقراء، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: ( إن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتاً فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك أمرهم بالتأسي به).

أن الصيام يزكي النفس بطاعة الله فيما أمر، والانتهاء عما نهى، وتدريبها على كمال العبودية لله تعالى، ولو كان ذلك بحرمان النفس من شهواتها الفطرية و بالامتناع حتى عما هو حلال مثل الطعام وجماع الزوجة…، وذلك يعين النفس على التحرر من مألوفاتها، ويسموا بالنفس فيكون صاحبها عبداً لله وحده.

كما أن الصيام يشعر العبد بنعم الله تعالى عليه، حيث أن إلْف النعم والتعود عليها يفقد الإنسان الإحساس بقيمتها، فلا يُعرف مقدار النعمة إلا عند فقدها، وبالضد تتميز الأشياء.

كما أن للصوم فوائد صحية عديدة يقول ابن القيم: ” الصوم جنة – وقاية – من أدواء الروح والقلب والبدن؛ مَنافِعُه تفوت الإحصاء، وله تأثير عجيب: في حفظ الصحة، وإذابة الفضلات، وحبس النفس عن تناول مؤذياتها، ولاسيما: إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعاً، وحاجة البدن إليه طبعاً، ثم إنّ فيه: من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها، وفيه خاصية تقتضي إيثاره، وهي: تفريجه للقلب عاجلاً وآجلاً، فهو أنفع شيء لأصحاب الأمزجة الباردة والرطبة، وله تأثير عظيم، في حفظ صحتهم) .

 يعد الصوم من الأدوية الروحانية والطبيعية، وإذا راعى الصائم فيه ما ينبغي مراعاته طباً وشرعاً، عظم انتفاع قلبه وبدنه به، وحبس عنه المواد الغريبة الفاسدة التي هو مستعِدّ لها، وأزال المواد الرديئة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه ويحفظ الصائم مما ينبغي أن يتحفظ منه، ويعينه على قيامه بمقصود الصوم وسره وعلته الغائية – من كلام ابن القيم-ز

يفيد الصيام صحة النفس والجسم كليهما، فيشحذ الذهن ويقوي الإرادة، ويخفف العبء عن أجهزة الجسم جميعها وبخاصة جهاز الهضم والجهاز الدوري والكلى.

والصيام ينشط تجدد خلايا الجسم، فمن المعروف أنّ في جسم الإنسان نحو من (125) ألف مليار خلية، وأنّه يموت ويحيا كل دقيقة نحو من (7) مليارات خلية، أي أن خلايا الجسم جميعها تتجدد خلال اثني عشر يوماً تقريباً، أما في الصوم فتتجدد جميعها خلال (5–6) أيام فقط.

إن للصوم الأثر الكبير في راحة الجهاز الهضمي المُتْعَبْ طيلة أيام السنة، وفي الصوم حثٌ على الاستفادة من مخزون الشحوم في الجسم كافة، فتتحول هذه الشحوم وتتفتت وتنتج لنا الطاقة اللازمة لإدامة الحياة بدل الطعام

كما أن الصيام يريح الكليتين وجهاز البول، بإقلاله فضلات استقلاب الأغذية المنطرحة عن طريق الجهاز.

وقد اكتشف الأطباء إنَّ شرب الماء عند الإفطار قبل الطعام قد يحرك الأمعاء ويقلل من حالة الإمساك التي يشكو منها كبار السن عادة.

كما إن من حكمة الإفطار على التمر أنه يحتوي على المواد السكرية التي سرعان ما تُمتص فتصل إلى الدم بسرعة، ويرتفع مستوى السكر في الدم، ويشعر به الصائم نشاطاً يدب في جسمه، وقوةً في التركيز والرؤية، ويقلل نوعاً ما من شعور الصائم بالحاجة إلى الطعام فتقل شهيته فيأكل ما يكفيه دون إفراط.

وربما كانت اهم حكمة: أن الصيام يُعد نعمة كبرى، به تُكفر الذنوب، وتُرفع الدرجات، وبه يقهر العبد الشيطان ، وبالصوم تقوى صلة العبد بربه؛ لأنه عمل خفي، وكلما كان العمل خفيًّا كان أقرب إلى الإخلاص، وهذا هو الهدف الأسمى.